هل يجب أن يستمر المؤمن في الإعتراف بخطاياه؟

0 117

حاول البعض أن يصمّموا برنامجاً على جهاز التليفون المحمول تستطيع أن تقدّم اعترافاتك من خلاله بعد أن تدفع رسومًا زهيدة. قال مصمّمو هذا البرنامج إنّه وسيلة جيّدة وليست غالية الثمن للإعتراف بالخطايا، يتمّ بعدها غفران خطاياك وتشعر بالراحة تجاه الله.

ويستطيع مستخدم هذا البرنامج أن يفحص كل واحدة من الوصايا العشر ليتأكد أنها خالية من الخطأ ويظل متمتعاً بالغفران. ويبدو أن الفاتيكان كان مقتنعاً بالفكرة في البداية ولكن المتحدّث باسم الفاتيكان أخبر وسائل الإعلام أنه يستحيل أن تعترف بخطاياك عن طريق (الأي فون).

قد يجد البعض أن الفكرة مضحكة. ولكن بعضنا كمؤمنين يقع في مثل هذا الفخ ليس عن طريق مثل هذا البرنامج ولكن عن طريق الإعتقاد بأننا يجب أن نستمر في الإعتراف بخطايانا للرب حتى يغفرها لنا ويطهّرنا منها ناسين أن أسلوب السماء في الصفح يقوم على غفران الخطايا بدم يسوع مرة واحدة وإلى الأبد فنريد أن ندخل اعترافاتنا كعامل مساعد جديد يجب أن نقدمه للرب لنوال الغفران. والكثير منا يُسيء فهم الآية الواردة في ١يوحنا ٩:١ ويبني عليها هذا الإعتقاد.

الصفح بشرط

يخبرنا ١يوحنا ٩:١ “إنِ اعتَرَفنا بخطايانا فهو أمينٌ وعادِلٌ، حتَّى يَغفِرَ لنا خطايانا ويُطَهِّرَنا مِنْ كُلِّ إثمٍ”. الأمر يبدو واضحاً وجليًّا أننا إذا لم نعترف بكل خطيّة فلن يغفر لنا الرب. أليس كذلك؟ والعديد من الكتب التي تعلّم عن الغفران بناءً على هذه الآية تبرّر النظام المزدوج لصفح الرب على أساس أن الرب قد صفح عنا في الماضي مرةً واحدةً وللأبد ولكن هذا من وجهة النظر السماويّة للآب. ولكن في ۱يوحنا ۹:۱ يذكّرنا كمسيحيين أننا نحتاج أن نعترف بصفة مستمرّة طوال مسيرنا في حياتنا على الأرض بخطايانا حتى يتمّ غفرانها.  

فإذا لم نعترف بخطايانا فإنها ستظل حاجزاً بيننا وبين الله، وبناءً عليه فإنّنا سنظل خارج نطاق الشركة معه. ويتمادى البعض في قولهم بأن الرب لن يستمع لصلواتنا طلما كانت هناك في حياتنا خطيّة لم نعترف بها.

الهرطقة الأولى

لتبديد هذه الشائعة المتمركزة حول الغفران دعنا ندقّق النظر في السياق الوارد في ١يوحنا٩:١.

بدايةً فإن هذا الإصحاح يبدأ بالحديث عن حواسنا الطبيعيّة. فيقول يوحنا إنّه والتلاميذ الذين عاصروا الرب يسوع رأوه، ولمسته أيديهم، وسمعوه بآذانهم. ويوحنا يستخدم هذه التعبيرات ليؤكّد أن يسوع كان شخصاً طبيعياً وليس كائناً روحيًا، وكان هذا أمراً جوهريًا يجب أن تدركه الكنيسة الآولى، فقد كانت أول أشكال الهرطقات الغنوسيّة في الكنيسة الأولى أن يسوع كان كائناً روحيًا فحسب. وحتى يدحض الرسول يوحنا مثل هذا الفكر كان حريصاً على تأكيد الصفات الطبيعيّة ليسوع.

إن أكثر الإحتمالات الطبيعيّة بالنسبة لنا أنّنا نفترض أن يوحنا يكتب للمسيحيين لكنك لا تستطيع أن تكون مسيحيًا وتؤمن بأن يسوع لم يأتِ بالجسد (٢يوحنا ۷:١): “لأنَّهُ قد دَخَلَ إلَى العالَمِ مُضِلّونَ كثيرونَ، لا يَعتَرِفونَ بيَسوعَ المَسيحِ آتيًا في الجَسَدِ“. لهذا فإن الرسول يوحنا يشرح هذا الحق بوضوح ضد هذا الفكر الغنوسي الذي حاول أن يتسلّل للكنيسة الأولى في هذا الإصحاح.

ولكن ما علاقة هذا بالآية الشهيرة الواردة في ١يوحنا ٩:١: “إنِ اعتَرَفنا بخطايانا فهو أمينٌ وعادِلٌ، حتَّى يَغفِرَ لنا خطايانا ويُطَهِّرَنا مِنْ كُلِّ إثمٍ”. لأن يوحنا ما يزال يوجه خطابه للهرطقة الغنوسيّة في الإصحاح كلّه وليس فقط في بعض الأعداد الأولى للإصحاح.

الهرطقة الثانية

كانت الهرطقة الثانية أن الخطيّة ليست شيئًا حقيقيًا أو أنّها شيء غير مهمّ. ولا تنسَ أن يوحنا يخاطب قوماً يقولون”إنه ليس لنا خطيّة” (۱يوحنا ٨:۱) ويقولون “إننا لم نخطىء”(۱يوحنا ۱٠:۱) وردّ يوحنا على هذا الضلال هو ببساطة ما جاء في ۱يوحنا ۹:۱ وهو يستخدم ضمير الجمع ليواجه المضلّين الذين يقولون إنه ليس لنا خطيّة، ليخبرهم بأن من يقول هذا يكذب وليس الحق فيه بل يجعل الله كاذباً وأن كلمته بعيدة عن حياتنا. ولكن إن اعترفنا بخطايانا فهو سيغفرها لنا ويطهّرنا من كل إثم. ولاحظ استخدام الرسول لكلمة “كل” ليصف نوعيّة التطهير والغفران الذي نناله عندما نعترف بخطايانا ونقبل يسوع المسيح في حياتنا. لاحظ أيضاً أن يوحنا يوضّح هدفه من مخاطبة قرّائه أن تكون لهم شركة مع المؤمنين ومع الآب وابنه “الّذي رأيناهُ وسَمِعناهُ نُخبِرُكُمْ بهِ، لكَيْ يكونَ لكُمْ أيضًا شَرِكَةٌ معنا. وأمّا شَرِكَتُنا نَحنُ فهي مع الآبِ ومَعَ ابنِهِ يَسوعَ المَسيحِ” (١يوحنا ٣:١).

فالكثير ممّن يقرأون الرسالة ليس لهم هذه الشركة ولم ينالوا الخلاص بعد. والرسول يأمل أن من يقرأ هذه الكلمات ويفهمها يأتي لينال هذا الخلاص.

وكيف ينالون الخلاص؟ بالإيمان بأن يسوع المسيح قد جاء في الجسد وأن الخطيّة أمر حقيقي وأن يسوع هو العلاج الوحيد لهذه الخطيّة. وعندما يعترفون ويؤمنون بهذا فإن يسوع يغفر لهم ويطهّرهم من كل إثم في الماضي والحاضر والمستقبل. فالرسول يوحنا لا يوجّه كلماته للمؤمنين حتى يعترفوا بالخطيّة واحدة بعد الأخرى لينالوا الغفران عن خطيّة فخطيّة، فهذا هو مفهوم العهد القديم عن الغفران.

مزيد من الإيضاح

هل نفهم من هذا أن الرسول يوحنا كتب رسالته لغير المؤمنين؟ بالطبع لا، فقد كُتبت الرسائل في العهد الجديد لتقرأها مجموعات عديدة من القرّاء بعضهم نال الخلاص وبعضهم لا يزال بعيداً. لاحظ أن الرسول يوحنا يستهلّ الإصحاح الثاني بقوله “يا أولادي”(١يوحنا ۱:٢) وهذا يعني أنه يخاطب المؤمنين فيقول: “أكتُبُ إلَيكُمْ أيُّها الأولادُ، لأنَّهُ قد غُفِرَتْ لكُمُ الخطايا مِنْ أجلِ اسمِهِ”(١يوحنا ١٢:٢). فهو يصف الغفران الذي نلناه كعمل تمّ واكتمل ولا يتوقّف على شيء آخر مثل الإعتراف.

وهكذا نرى أن الرسول يوحنا يخاطب فريقين في رسالته هذه: المؤمنين والخطاة.

فالإعتراف ليس وسيلة المؤمن لينال الغفران. فالسماء تُعلن بوضوح أنّنا قد نلنا الغفران وصرنا مقدّسين مرةً واحدةً وإلى الأبد. “فبهذِهِ المَشيئَةِ نَحنُ مُقَدَّسونَ بتقديمِ جَسَدِ يَسوعَ المَسيحِ مَرَّةً واحِدَةً” (عبرانيين ١٠:١٠). “لأنَّهُ بقُربانٍ واحِدٍ قد أكمَلَ إلَى الأبدِ المُقَدَّسينَ”(عبرانيين ١٤:١٠).

دعنا نتفق مع الرب في أن الخطيّة خاطئة جداً. وفي نفس الوقت لا تقلل من قوة عمل دم يسوع الذي يطهّرنا من كل خطيّة يمكن أن نتخيّلها. الأمر لا يتوقف على قدرتنا على أن نتذكّر كل خطيّة نفعلها ونعترف بها بل الأمر يتوقّف على دم يسوع الذي سُفك عنّا منذ ألفي عام “لقد أكمل كل شيء”.

إنها أخبار رائعة وعظيمة ويحق لنا أن نبتهج ونفرح بها وهذا بالضبط ما تريده لنا السماء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.