هل تفتح العشور نوافذ السماء؟

هل تفتح العشور نوافذ السماء؟
0 83

تُعدّ هذه الآية من أكثر الآيات الكتابية اقتباسًا أثناء عظات العطاء في الكنائس حول العالم كل يوم أحد.

فالرسالة التي نسمعها مرارًا هي أن تقديم العشور يفتح نوافذ السماء على حياتنا وأمورنا المالية.

لا شك أن العطاء أمر جوهري، وهو مبدأ كتابي راسخ؛ فمن يزرع بالشحّ يحصد بالشحّ، ومن يزرع بسخاء يحصد بسخاء (انظر ٢ كورنثوس ٩: ٦).

لكن من المهم أن نفهم أن العشور، في العهد القديم، لم يكن مجرّد عطاء طوعي، بل كان فريضة قانونية مفروضة على الشعب اليهودي. وُجد العشور لتمويل سبط لاوي، والكهنوت اللاوي، وخدمة الهيكل. كما كان للعشور بُعد اجتماعي، إذ وُجه قسم منه لدعم الفقراء (راجع تثنية ٢٦: ١٢)، بطريقة أشبه بما نفعله اليوم من دفع ضرائب لتمويل برامج الرعاية الاجتماعية.

لذلك، فإن الدعوة إلى تقديم العشور في سفر ملاخي كانت موجهة خصوصًا إلى الشعب اليهودي الواقع تحت الناموس. وتجدر الإشارة إلى أن اليهود لا يمارسون فريضة العشور اليوم، لغياب سبط لاوي والهيكل اللذين وُضع العُشر لأجلهما.
أما بعد الصليب، في عهد النعمة، فلا نجد آية واحدة في العهد الجديد تأمر المؤمنين بتقديم العُشر.

وتشير دراسات تاريخ الكنيسة إلى أن العُشر الإلزامي لم يكن معمولًا به في القرون الأولى من المسيحية. لقد بيّن الرب يسوع بوضوح أن العُشر كان “من الناموس”، حين وبّخ الفريسيين على تدقيقهم في إعطاء عُشر النعنع والشبث والكمّون، بينما أهملوا أثقل الأمور في الناموس، كالعدل والرحمة والإيمان (متى ٢٣: ٢٣).

ومنذ الصليب، لم نعد نعيش تحت الناموس، وبالتالي لسنا تحت أي التزام شرعي بالعشور اليوم. بل في الحقيقة، إن كنا نعتقد أن تقديمنا للعشور سيفتح نوافذ السماء علينا، فنحن متأخرون ٢٠٠٠ سنة! لأن يسوع قد فتح لنا طريقًا جديدًا وحيًّا إلى السماء من خلال ذبيحة نفسه على الصليب:

“فَلَنَا الآنَ، أَيُّهَا الإِخْوَةُ حَقُّ التَّقَدُّمِ بِثِقَةٍ إِلَى «قُدْسِ الأَقْدَاسِ» (فِي السَّمَاءِ) بِدَمِ يَسُوعَ.  وَذَلِكَ بِسُلُوكِ هَذَا الطَّرِيقِ الْحَيِّ الْجَدِيدِ الَّذِي شَقَّهُ لَنَا الْمَسِيحُ بِتَمْزِيقِ الحِجَابِ، أَيْ جَسَدِهِ” (عبرانيين ١٠: ١٩-٢٠).

فالسماء ليست مفتوحة علينا بسبب ما نفعله نحن، بل هي مفتوحة بسبب ما فعله المسيح لأجلنا. ومع ذلك، فإن كنوز السماء، التي صارت متاحة لنا في المسيح، لا تنسكب علينا تلقائيًا، بل ننالها بالإيمان عندما نتمسّك بما أكمله يسوع من أجلنا.

أما إن اعتقدنا أن العشور هو الذي يفتح نوافذ السماء، فنكون قد رجعنا إلى العهد القديم ووضعنا أنفسنا تحت الناموس. وهذا ما حذر منه بولس الرسول في رسالته إلى أهل غلاطية، حيث قال:

“وَأَشْهَدُ مَرَّةً أُخْرَى لِكُلِّ مَخْتُونٍ [أو يحاول أن يبرر نفسه بأي جزء من الناموس] بِأَنَّهُ مُلْتَزِمٌ أَنْ يَعْمَلَ بِالشَّرِيعَةِ كُلِّهَا. 4يَا مَنْ تُرِيدُونَ التَّبْرِيرَ عَنْ طَرِيقِ الشَّرِيعَةِ، قَدْ حُرِمْتُمُ الْمَسِيحَ وَسَقَطْتُمْ مِنَ النِّعْمَةِ!  (غلاطية ٥: ٣-٤).

حين نضع ثقتنا في أعمالنا أو جهدنا – بما في ذلك تقديم العُشر – نكون قد انتقلنا من النعمة إلى الناموس. والبركة بحسب الناموس مشروطة بإتمام كل أحكامه، وهو أمر مستحيل على الجميع، إلا يسوع المسيح الذي أتم الناموس وأبطله بذبيحته.

من يظن أن عشوره تفتح له السماء، فقد أبطل نعمة المسيح، وسقط منها. فنحن لا نعطي عشرة بالمئة من دخلنا لننال بركة من الله أو نشتري رضاه! فنعمة الله لا تُشترى، لأنها كلفت دم يسوع، ليحصل عليها كل من يؤمن… مجانًا! ولا نقدّم مالنا كأننا نسدد دَينًا لله. فالمسيح دفع الثمن بالكامل: “قد أكمل”.

كيف إذًا ننظر إلى العطاء والزراعة والحصاد؟

حين نُعطي كاستجابة لعمل المسيح الذي سبق وفتح السماء علينا، لا كوسيلة لسداد دين، حينها نزرع بالإيمان. والزرع بحسب مقدار البذرة يأتي بحصاد لاحقًا.

يشرح بولس في غلاطية: “فَفِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لَا نَفْعَ لِلْخِتَانِ وَلا لِعَدَمِ الْخِتَانِ، بَلْ لِلإِيمَانِ الْعَامِلِ بِالْمَحَبَّةِ”(غلاطية ٦:٥).

ما يُحدث فرقًا في حياتنا هو الإيمان العامل بالمحبة. وما معنى هذا؟ حين نُدرك محبة الله ونتشبّع بنعمته في يسوع، ينبثق من هذا الإدراك إيمان حيّ، يقودنا لتجليات بركات الله في حياتنا، ومنها البركة المالية.

البركات لا تُشترى بالعشور، بل تُنال بالإيمان العامل من خلال المحبة.

نعم، العطاء لمملكة الله قد يكون تعبيرًا حقيقيًا عن الإيمان العامل بالمحبة، لكنّه قد يتحوّل أيضًا إلى سلوك قانوني أو محاولة خاطئة لـ”رشوة” الله لكي يباركنا.

الدافع وراء العطاء هو ما يصنع الفرق… وهو ما يحدّد نوع الحصاد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.